من أعلام سوس : سيدي الحسن البونعماني

ورد في الحلقات الماضية ذكر أحد أعلام سوس بشكل عابر بين المسؤولين الذين تولوا باشوية مدينة أكادير في خمسينات القرن الماضي، ألا وهو الباشا الحسن البونعماني، وأرى من الفائدة التعرف على هذه الشخصية السوسية وأن لا نمر على اسمه مر الكرام، فمن هو هذا الرجل السوسي الذي يعتبر أول باشا لعاصمة سوس مدينة أكادير في أيام استقلال المغرب :

هو سيدي الحسن بن أحمد بن مسعود الطالبي البونعماني، الفقيه الأديب السوسي، أحد عمالقة الشعر العربي في سوس ، حتى علا شأنه في الحركة الأدبية المعاصرة على امتداد الوطن، وتعرف عائلته بآل الطالب إيعزى، نسبة لجده الأعلى سيدي محمد بن امحمد، والد مسعود، الفقيه المعروف عندهم باسم (بولحيلات) بالأمازيغية، أي صاحب الحيَل جمع حيلة، المتوفى بتامنارت عام 1830م.
كان جده سيدي مسعود الطالبي، أول من نبغ في هذه الأسرة، فرفع لها راية المعارف، وقد ورد ذكره في كتاب المعسول للمختار السوسي، أن أصل أسرته من قبيلة إداوسملال، حيث انتقل إيعزى الى تاجاجت بقبيلة ايمجاض ومنها الى أيت براييم، وهنالك ولد مسعود نزيل المعدر الذي تنسب اليه كل أسرة البونعماني، وينحدر أصلهم من الشرفاء الحسنيين.
ولد سيدي الحسن البونعماني حوالي سنة 1909م، بقرية المعدر الواقعة بشمال مدينة تيزنيت مسافة 25 كلم، ثم انتقل مع والده الى قرية بونعمان بقبيلة أيت برييم، جنوب مدينة تيزنيت، ودرس بمدرستها العامرة المشهورة بالقراءات، وقد مر فيها جده سيدي مسعود المعدري محاضرا سنة 1862م، ثم حولها الى مدرسة علمية، ثم تولاها من بعده أبناؤه فازداد عدد طلبتها في عهد العلامة سيدي امحمد بن مسعود المتوفى سنة 1911م، الذي خلفه والده بها المتوفى سنة 1901م في عهد أخيه الشيخ أحمد المعدري.
وينحدر البونعمانيون من عائلة أيت ايعزى ويهدى البكريين، وكانت زاويتهم في بونعمان لها شهرة عريقة منذ القرن 7 الهجري، حتى بلغ صيتها مسامع مؤرخ عصرهم الشهير ابن خلدون، فذكرها في كتابه الكبير وسماها (زوايا بني نعمان).
تعلم سيدي الحسن البونعماني في مدرسة بونعمان العلوم الدينية، ثم انتقل الى مدرسة ايفران الأطلس الصغير، وهناك تعمق في الدروس الأدبية والشعرية، ومنها الى مدرسة ايغيلالن بمدشر أيت عباس بقبيلة ايمسكين، موطن مدينة أكادير، ثم التحق بمدرسة قبيلة تيوت بضواحي تارودانت، ثم جال في مدارس حواضر المغرب العلمية وفيها التقى سنة 1930م مع العلامة المختار السوسي، ومن هناك بدأت صحبتهما العلمية والأدبية، وفي مراكش تعرف على شاعر الحمراء ابن ابراهيم، وتابع نهل العلوم في مدارسها، ثم رحل الى فاس ودرس في جامع القرويين، ثم تنقل بين مدن بني ملال والدارالبيضاء ومكناس والرباط.
وفي سنة 1936م عين مدرسا بثانوية مولاي يوسف بالرباط.
وفي سنة 1944م عين أول رئيس لمحكمة السداد بمراكش التي تأسست وقتها، ثم غادرها بعد أن قضى بها 8 سنوات، بسبب مضايقات باشا مراكش التهامي الكلاوي له.
وفي سنة 1952م عين رئيسا مجلس الاستئناف الشرعي، وبقي فيه الى أن أشرف عهد الاستقلال فعين أول باشا لمدينة أكادير، وبقي في مهمته الى وفاة الملك محمد الخامس سنة 1961م، ثم نقله الملك الحسن الثاني الى القصر الملكي وعينه محافظا للخزانة الملكية بالرباط.
وبعد وفاة صديقه المختار السوسي سنة 1963م، لوحظ عليه انزواء شديد، وانقطاع عن معاشرة ومخالطة الناس بشكل غير عادي، وخاصة بعد فقدان صديقه، فتأثر لوفاته تأثرا شديدا، وبقي على حاله الى أن أحيل على المعاش في بداية السبعينات، فانتقل الى أكادير ليقضي بها بقية حياته متنقلا بينها وبين تيزنيت والمعدر مسقط رأسه، وعاش هكذا وحيدا فريدا بدون زوجة ولا أولاد، بعد فشله في تجربته الأولى في الزواج في بداية الاستقلال، الى أن وافاه أجله في يوم الثلاثاء 16 فبراير 1982م وهو بتيزنيت، ونقل جثمانه الى قرية بونعمان حيث دفن بجوار والده رحمهما الله
ترك البونعماني آثارا أدبية رائعة، وقد تميز أدبه بميزة خاصة تتمثل في غيرته الكبيرة على سوس وولائه له، وطغى هذا الولاء على شعره فأصبح يوليه حبه في كل مناسبة، فهو القائل في الإشادة بسوس :
قطري المفدى سوس يعرف محتدي = وتحن نحوي إن أغب جدرانه
وتقر لي ولتالدي أشياخه = ولطارفي بين الورى شبانه
لو استطاعت أن تسير دياره = شوقا إلي لجاء بونعمانه
ويقول في الإشادة بأمجاد المغرب :
نسوس بالعدل والبأس الشديد ومن = في العدل والبأس من كانوا يوازينا
أسد الزلاقة لما اشتد موقعها = والأرك خضنا وغاها والمخازينا
فليعلم الثقلان أن رايتنا = سيستظل بها حتى أعادينا
سيستظل بها عدلا ومكرمة = ونحن في الحق لا يخفى تسامينا
ويقول في مساندة الشعب المغربي للجزائر في محنتها ضد الاستعمار الفرنسي :
هذي الجزائر قد أضنت نوائبها = لم تبق للعين دمعا من مآقينا
وليس يشفي غليل النفس إلا إذا = جالت لنا ثم جرد من مذاكينا
ويقول في تجاوب المغاربة مع الأشقاء المصريين في نكبة العدوان الثلاثي عليها :
هنا قلوب تناجي من محبتها = قناة مصر كما كانت تناجينا
فاضت هنالك أرواح مقدسة = نكاد نلحقها لولا تأسينا
ويقول في دولة فلسطين السليبة :
وطهر بفلسطين أقدس مسجد = فأنت على تطهيره أي قادر
وشتت جيوش المعتدي وحماته = وللظالم اقطع عاجلا كل دابر
فأين البنادق التي قد عرفتها = قد استبدلت في جيلنا بالمخاصر
وله تآليف تثرية كثيرة، منها المقالات الصحفية التي دونها في (جريدة السعادة) التي كان محررا لها في السنوات الثلاثين من القرن الماضي، ومن عناوين مقالاته:
– ترجمة عمه محمد بن مسعود البونعماني : في غشت سنة 1938م
– الأدب الأندلسي في سوس الأقصى : في شتنبر سنة 1938م
– أيام عكاظ في تازروالت : كتبها في مجلة الثقافة المغربية سنة 1942م
– له مخطوط كتبه عن أسرته العلمية، لم تكشفه أسرته ليرى النور بعد، وعنوانه (بدر السعود في مناقب آل مسعود).
– له قصيدة في الشعر الصوفي نظمها في أخريات أيامه بعنوان (التوسل) وعدد أبياتها 700 بيت شعري.
– وختاما والذي لا يعرفه الكثير، أن البونعماني كان لديه مشروع كتاب حول تاريخ رجالات سوس وأخبارهم وتراجم العلماء والأسر العالمة التي جمعها في جولاته بسوس ، لكن لم تسعفه ظروف مهامه الوظيفية أن يخرجه للوجود، فاضطر لوضع مواده بين يدي صديقه الحميم المختار السوسي الذي أدخلها ضمن مواد كتابه الضخم الذي سماه المعسول.
======================================
المصادر : المعسول – الالغيات – سوس العالمة – شعراء المغرب الأقصى
تقديم : محمد زلماضي المالية
منقول من صفحة محمد زلماضي مزالي

اضف تعليق