كان منكمشا في أحد أركان الغرفة المتهالكة.. نظراته تتفحص الأشياء المبعــــثرة بشكل فوضوي على الأرضية المتربة، وتحاول التوغل في كنه الأشكال التي نقشـها التآكل المزمن، والرطوبــة المتواطئة على الجــدران المهتــرئة.. يلذ له أحيــانا في لحظات البياض وصفاء الذهـن أن يتأمل تلك الأشكال ويتملى فيها.. لقد صاحبته منذ الصغر، ونمت مع نمـوه، وهـي بذلك ذاكرة أخرى ملازمة لملوحة عيشه.. يرى فيها صورا ووجوها وأجسادا وهمية ولكنها بالنسبة إليه حقيقته المطلقة.
انتقل طرفــــه في طرفة مفاجئة ، ليستقر على حذائه اليتيم .. ندت عنه آهة حرى دون قصد، وتماوجــت مع غبـــار السنوات العجاف التي لا سمان بعدها ..تذكر اللقاء الأول مع هذا الحذاء ..أبحرت بــه سفــن الذكريــات إلى خرائب أيام خوال.. أيام كان طالبا في الجامـعة ، كان يمني نفـــــسه بجنـــة مستحيلـــة بعد التخرج.. تذكر دوامات الصراع الذي كــان علــى أشــده مع الجوع والبرد والمرض وكل طوابير بنات الفقر الأخرى .. دريهمات المنحة لاتكفــي لتغطيــة عقيقــة قطة جربـاء..اللقاء الأول يكون دائما منقوشا في الذاكرة .. هكذا ترسخ الأشياء الأولى دائمـــا .. تحفــر وجودها ثم لا تغادر أبدا .. كان يوما متميزا من عنفوان الشتاء..يوم سولــــت لـه نفسه زيارة الحمام التقليدي القريب من الحي الذي يسكنه في العاصمة..كانت الزيارة مرصودة منذ مدة ، ولكن كما يقال : كل شيء بأوانه والحاجة وازع لأية حركة..الزيـــارة كانــت مموهة بالرغبة في إزالة الأوساخ المتراكبة على جلده في شكل طبقات مستورة بثـياب كانت جديدة قبل أن يحصل عليها بثمن زهيد من أحد أسواق الملابس المستعملة التــــــــــي غزت كل جنبات المدينـــة ..كانت الزيارة لمــــآرب أخرى مــــع ســـــــبق الإصرار والترصد.. قادته النفس الأمــــارة توجههـا حاسته الأخرى للقاء الحذاء .. الفكرة قديمة من إبداع الأجيال التي سبقته من الطلبة
. عــــادة متوارثـــــــة يتقاسمـــــها هؤلاء مع جمهور العاطلين والمتسكعين والمشردين الذين يكونون مستوطنـــــات في الأحيــــاء الشعبية، ويرسمــــون حدود النفوذ ويحمونــــها بصرامة.. عادة تنشط في المســــاجد في صمت وفي عــز خشوع المصلين ،وفي الحمامات التقليدية أثناء استسلام الأجساد المنهكة لتدليكــــــــات الكسَّالين والمـــدلكين المخـــدرة للهموم ولو إلى حين ،والمدرة للأحلام المتنوعة.
من أول نظرة. . بمهارة يخلقها كل موقف مماثل ، خطف العاشق معشـــوقه كما في الحكايات القديمة، وعانقت قدماه هذا الحذاء.. وأصبح النعل الممزق في خبر كان. كان يومها حذاء بكل معنى الكلمة، يوحي جلده الحقيقي الأسود اللامع أنـــــــــه باهظ الثمن، ومن النوع الذي لا ولن يمكن أن يتأتى لأمــــــثاله. ومن النـظرة الأولى يدرك المرء حقيقة صاحبه الأصلي ..الأحذية كذلك بطاقات هوية . ويمكن أن تحــــــــــــكم على مكانة الرجل في المجتمع من خلال نوعية حذائه.
اندلقت فرحته الهستيرية على جوانب حواسه المرئية والمضـــــمرة، وهو يمشي بحذائه الجديد على أسفلت الشارع، محاولا ألا يخـــدش رونق وجهه بحجارة متطفلة، متجنبا الحفر الموزعة بـ (عناية ) عمال البلدية على صفحات الأزقة والدروب. حذاء جميل ومريح، أنيق ورائع..وقبل هذا وذاك ،فإنه يقي قدميه لسعات القر والصقيع في الصباحات الباردة في الطريق إلى الكلية . وفوق ذلك كله فهو يجعله جديرا بلفــــتات الطالبات في فضاءات المدرجات أوفي ازدحامات المشرب الذي يقدم للطلبة أوسـاخا صفراء وسوداء يسميها البعض شايا وقهوة.
كانت رفقتهما طويلة ..استمرت سنين أخرى بعد تخرجه من الجامعة ليجد نفــسه بدون عمل. شهادته العليا أكثر إيلاما من عاهة مستديمة ..حدق فيه أكثر وهو رابـض أمامه في مقدمة الحصيرة الرثة البالية مثل أحلامه.. كل فردة تُقاسم الصمت مــــــــع شقيقتها، مكونة مع أشياء الغرفة قسمـــــــات متغضـــــنة لوجه الفقر. لقد أربد سواده بعد رونق ،وعلاه غبار يحاكي كآبة صاحبه ، واتخذ شكلا شبيها بمنحوتة سريالية . . عانقه في سره ..إنه رفيق دربه الوفي الذي قاد قدميه في كل الطرقــــــــات ..قاده إلى ردهات مكاتب الشركات الكبرى . مشى به على البلاط اللمــــــــــاع ، وداس به على السجاد النفيس في رحلته السيزيفية عن العمل ، زار معه الأماكن الأنيقة التي تزدريه من أول إطلالة..طرق معه الفضاءات المتواضعة ،وكذلك الأوكــار إياها عندما يبتسم له الحظ ،ويملأ حفنته ببعض النقود بطريقة أو بأخرى..لم يتخل عنه هذا الـــــــــحذاء العزيز حتى في أوقات الشدة، أثناء المطاردات الليلية في منعرجــــــــــــــــات الأزقة المظلمة..لايهم أن يكون المرء مطـــــــــــاردا أوطريدة ، فالأضداد أحيانا تعطي نفس المعنى ..قد يحدث أن يوسوس له هذا الحــــــــــــذاء العزيز ، ويزرع في سره أمورا غريبة..طالما زين له بعض الموبقات ..وكثيرا ما قاده دون سابق تدبير إلى مسارات بعض المظاهرات لبعض الغوغاء في عرف الآخرين ، وكثيرا ما بوأه الصـــــــفوف الأمامية ، وكاد يخذله في اللحظــــات الحرجة حين تسقط لافتة هنا وأخرى هناك..في أوقات الجد لاينتظر مـــــــــنه الإذن للدوس على المبادئ التي تكون رائعة في أوقات الدعة..مرارا عمل بنصحــــــه فابتعد عن تلك الأماكن التي لايأتي منها غير انصداع الرؤوس وانكسار الضلوع بفعل الهراوات التي تعرفونهــــــا جيدا ..أحيانا يملي عليه أفكارا شيطانية ،وخاصة عندما يلمــــح له باجتياز البحر إلى الضفة الأخرى بزوارق خشبية توصـــــل المرء في كل الأحوال ، ولايهم أين سوف يصل ..قوة الوشائج التي تجمعهما في السراء والضراء ،جعلــــته يشفق عليه من أجاج الماء،من أن يتسلل إلى ماتبقى من ماء جلده..الشيء الوحيد الذي لم يستطع الإقدام علـــيه هو المطالبة بزيارة ماسحي الأحذية..إنه شديد الخجل من ماسحـــــي الأحذية . قد يحدث أن يتوارى تحت طاولة في هذا المقهــــــى أو ذاك، حينما يحس بأعينهم تجوس بين الأرجل والكراسي خوفا من أن يضبطه أحدهم متلبسا بارتداء غلالته الترابية،مفضلا توفير أجرة المـسح حتى يتمكن صاحبه من احتساء فنجان ساخن ، خاصة إذا صادف ذلك ذكرى لقائهـما الشتائي ..
تحجرت الدموع في مآقيه ، وهو يرى حذاءه العزيز آيلا للانكماش أكــثر من ذي قبل ..بنظرة حزينة ، قام متثاقلا ،وجمع لوازم الاستحمام..خرج مصفقا بـــاب الغرفة المتهالكة المتهتكة الجدران أمام نظرات إخوته وأمه المنهكة المنهــــــــمكة في بعض الشؤون ..
في الشارع نظر إلى حذائه نظرة مشبعة بنكهـــة الوداع.. يمم وجهه شطر الحمام التقليدي الموجود في ناصية الحـــــارة ، ثم سار يحدوه عزم وحزم ، وفي نفسه أمر..



اضف تعليق