حين يختلّ التوثيق تختلّ الصورة: ملاحظة نقدية حول ما ورد في ديوان “تادلا تاخاتارت”

لا شك أن توثيق الذاكرة الشعرية والفنية مسؤولية ثقافية كبيرة، خصوصًا في منطقة سوس التي راكمت عبر عقود تراثًا شعريًا وفنيًا غنيًا، يستحق أن يُحفظ للأجيال القادمة.

ومن هذا المنطلق، استقبلنا باهتمام إصدار ديوان «تادلا تاخاتارت»، من إعداد الأستاذين إبراهيم لشكر وإبراهيم أوبلا، ونثمّن الجهد المبذول في جمع عدد من القصائد والتجارب المرتبطة بالشعر

غير أن قيمة أي عمل توثيقي لا تُقاس فقط بعدد الأسماء والقصائد التي تم جمعها وإنما أيضًا بمدى أمانته في نقل النصوص والوقائع وتقديم أصحابها.

ومن هنا نبرز بعض الملاحظات التي تستحق التوقف عندها :

1/ عندما تصبح الكلمة جزءًا من المشكلة

كما ورد في الصفحة 176، ضمن النبذة التعريفية للشاعر سعيد  ادبناصر، تعبير يفيد بأنه «طلب أن يُحشر في هذا الديوان احترامًا لهؤلاء الشعراء».

وهذه العبارة ليست مجرد تفصيل لغوي بسيط، لأن طريقة تقديم الشاعر للقارئ جزء من عملية التوثيق نفسها.

والحقيقة، حسب ظروف المشاركة، أن الشاعر لم يطلب إدراج اسمه في الديوان، وإنما تلقى اتصالًا هاتفيًا من الأستاذ المشرف على جمع وتوثيق مواد الكتاب، الذي دعاه إلى المشاركة بقصيدة من اختياره. وقد استجاب الشاعر لهذه الدعوة تقديرًا للمبادرة وتشجيعًا لها.

لذلك، فإن تقديم الواقعة بعبارة توحي بأن الشاعر سعى بنفسه إلى «الحشر» بين الشعراء يعطي القارئ صورة مختلفة عن حقيقة ما حدث، وهي صورة كان يمكن تفاديها بصياغة أكثر دقة وإنصافًا.

2 / التوثيق ليس إعادة صياغة

وهنا تطرح مسألة أخرى لا تقل أهمية عن ما سبق : إلى أي حد ينبغي للموثق أن يتدخل في النص الشعري الذي ينقله ؟

فالشعراء الذين يشاركون في عمل توثيقي يقدمون نصوصهم باعتبارها جزءًا من تجربتهم وذاكرتهم ، والكلمة الشعرية ليست مجرد جملة يمكن تغييرها لتصبح أكثر انسجامًا مع ذوق الموثق أو أسلوبه .

وقد أثيرت ملاحظات بشأن تدخل المشرف في بعض الألفاظ والتعابير الواردة في نصوص الشعراء، وإجراء تغييرات عليها بدل نقلها كما صدرت عن أصحابها .

وهنا لا بد من طرح السؤال بكل وضوح :

هل نحن أمام توثيق لنصوص الشعراء كما هي، أم أمام إعادة صياغة لهذه النصوص الشعرية وفق رؤية من يقوم بجمعها و تركيبها حسب الرغبة ؟

إذا كان الهدف هو التوثيق، فالأصل أن يحافظ النص على ألفاظ صاحبه وأسلوبه وخصوصيته، وإذا اقتضت الضرورة إجراء تصحيح لغوي أو تعديل معين، فمن الأمانة الأدبية و التراثية الإشارة إلى ذلك بوضوح أو المناقشة مع الشاعر .

فالموثق مهمته أن يحفظ النص، لا أن يعيد تأليفه، وأن يقدم تجربة الشاعر، لا أن يستبدلها برؤيته الخاصة.

بين الموثق والمبدع حدود يجب احترامها فلكل عمل قواعد ، والأمر يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالشعر فالكلمة فيه قد تحمل دلالة محلية أو ثقافية أو إيقاعية لا يمكن استبدالها بسهولة دون التأثير في النص الأصلي.

ولهذا، فإن الأمانة تقتضي الفصل بوضوح بين النص الأصلي للشاعر وبين أي تدخل تحريري من طرف من قام بجمعه أو نشره.

أما فيما يخص الشاعر سعيد ادبناصر، فإن الحديث عن مشاركته يحتاج كذلك إلى استحضار مساره الفني.

فالرجل صاحب تجربة تمتد منذ سنة 1972، وله حضور وإسهام في مجالي تيرويسا وتزنزارت، كما ساهم في تأسيس جمعيات مهتمة بالتراث والثقافة بـإنزكان.

و تقديم مشاركته وكأنها جاءت نتيجة رغبة شخصية في إيجاد مكان له بين الشعراء لا ينسجم مع مسار رجل راكم تجربة طويلة في المجال و الذي قضى عقودًا في خدمة الشعر والفن والتراث لا يحتاج إلى أن يُحشر في أي مجلس؛ بل إن قيمة حضوره تُستمد من تجربته وعطائه، لا من الطريقة التي يُقدَّم بها اسمه في  الكتاب.

هذه الملاحظات لا تعني التقليل من قيمة الديوان أو من الجهد المبذول فيه. على العكس، فالعمل الذي يطمح إلى حفظ الذاكرة الثقافية يستحق أن يكون أكثر صرامة في احترام قواعد التوثيق.

فحين نوثق شاعرًا، فإننا لا نوثق قصيدته فقط، وإنما نوثق جزءًا من حياته وذاكرته وموقعه داخل المشهد الثقافي. وحين ننقل نصه، فإننا نحمل مسؤولية الحفاظ على كلماته كما أرادها.

وفي النهاية يمكن القول أن كتاب  «تادلا تاخاتارت» مبادرة تستحق التقدير، لكن قيمة المبادرات الثقافية لا تمنع مساءلتها ونقدها. بل إن العمل الذي يقبل المراجعة ويصحح ما قد يشوبه من أخطاء يكون أقرب إلى أداء مهمته الحقيقية.

فالتوثيق ليس أن نكتب عن الشعراء فحسب، بل أن نتركهم يتحدثون بأصواتهم، وبكلماتهم، وبالتاريخ الذي عاشوه فعلًا.

 

بقلم: ذة سهام ادبناصر

اضف تعليق