السكر كآلية للعمل الدبلوماسي: سكر واحة تيوت في العهد السعدي أنموذجا

من بين الامراض التي تعاني منها المجتمعات البشرية الحالية نجد على وجه الخصوص الامراض المرتبطة بالسكري الى ان باتت هذه المادة تقض مضجع الكثيرين نظرا لخطورتها على صحة الابدان البشرية لذلك من الناذر ان نجد من ينبش في تاريخ خطورة الادوار التاريخية التي لعبتها هذه المادة في تاريخنا ودبلوماسيتنا الحديثة مناسبة هذا القول هو زيارتنا لمعامل السكر والموجودة بالموقع الاثري  للسكر بواحة تيوت وهي  بالمناسبة فضاءايكولوجيي وتقع على مقربة من الطريق الوطنية الرابطة بين مدينة تارودانت واغرم هذا المعمل توقف فيه الانتاج مباشرة بعد اكتشاف امريكا وبداية زراعة قصب السكر في مزارع امريكا الشاسعة والواسعة والتي تتوفر على شبكة هيدروغرافية كبيرة بفعل انتظام التساقطات المطرية على طول السنة هذه الحوافز والمعطيات المناخية والجغرافية مكنت الدول الاوروبية وفي مقدمتها البرتغال واسبانيا وكذلك انجلترا التي عملت على بناء معامل لانتاج كميات وافرة من السكر تلبي حاجياتها وحاجيات حلفاءها الاوروبين وكذلك حاجيات ساكنة مستعمراتها في البحار والمحيطات كما هو معروف بعد ان كانت تعتمد على المغرب ومزارعه في تلبية حاجيتها من هذه المادة الحيوية ومعروف ان احمد المنصور السعدي كان يبيع كميات مهمة من هذه الدولة مقابل الاسلحة التي كان بحاجة اليها لمواجهة خصومه ومنافسيه الداخليين وكذلك لدحر اعدائه الخارجيين وفي مقدمتهم دول شبه الجزيرة الايبيرية والاتراك العثمانيين في الجزائر زيادة على غزواته واقتحاماته لمناطق واسعة من افريقيا جنوب الصحراء وفي مقدمتها ما كان معروفا باسم السودان الغربي.

هذا التوقف جاء بعد ان عرفت مصانع واحة تيوت لانتاج السكر ازدهارا كبيرا وخاصة في القرنين الخامس والسادس عشر الميلاديين بكل من معامل تازمورت وايت مسعود وغيرها من المصانع التابعة لها حينها سمي السكر المغربي بالسكر الابيض غير ان هذه التسمسة سوف تتغير عندما انتجت الكميات الاولى من السكر في مزارع امريكا وفي مصانعها بعد اكتشافها كما سبق الاشارة الى ذلك وسمي   بعدها  السكر المغربي بالسكر الاسمر مقابل السكر الابيض الامريكي دو الجودة العالية والذي ينتج بتكاليف قليلة مقارنة مع نظيره المغربي بعد ان كانت سوس عاصمة لزراعة قصب السكر الذي تستخرج منه مادة السكر.

ومن نافلة القول ان تيوت ليست المنطقة الوحيدة المعروفة بهذه الزراعة بحيث نجد كذلك قبيلة ماست الموجودة على اسيف ن ولغاس وكذلك احواز تادودانت كمنطقة بوغانيم وغيرها.

وبالنظر الى اهمية هذه المادة الحيوية فقد عمل السلاطين السعديين وخاصة احمد المنصور الذهبي على استغلاله في عمله الدبلوماسي وفي علاقاته مع الدول الاوروبية بحيث ان هذه المادة مكنته من التعامل ندا للند مع الدول الاوروبية وخاصة ايطاليا التي كان يستورد منها الرخام الذي زينت به ساحات وجدران قصر البديع وقبور السعديين بمدينة مراكش وفي هذا الصدد اورد الافراني في كتابه نزهة الحادي ان الذهبي كان يقايض ذلك الرخام بالسكر “وزنا بوزن”.

وبالنسبة لسلسة انتاج السكر فقد عمل الحكم السعدي على احتكار انتاجه بشكل كلي او جزئي كما يعمل على تفويت بعض مزارع ومصانعه لعدد من الوسطاء الاوروبيين وبعض التجار اليهود الذين احتكروا تجارته في بعض الفترات التاريخية كما تحدث عن ذلك عبد العزيز الفشتالي في كتابه المشهور على الحكم السعدي هذا الاخير عمل على حفر الخطارات وتنقية عيون المياه ومد السواقي وربطها بمنابع المياه التي تستعمل حركة جريانها في ادارة المرواح والرحي خاصة باحواز تيوت وتارودانت قصد ضمان انتاج كميات وافرة من هذه المادة الحيوية التي تجاوز انتاجها ربوع سوس ليصل فيما بعد الى الحوز واحاحان وقد قدر عدد مصانع حسب المصادر البرتغالية بثمانية عشر مصنعا..

هذه الصناعة خلفت بعد اندثارها تراثا ماديا ولا ماديا ينظاف الى تراث هذه الواحة التي كانت شاهدا على الانطلاقة الاولى للدولة السعدية قبل توجهها الى الثغور والسواحل لتخليصها من الاحتلال الايبيري كما هو معروف في كتب التاريخ والحوليات وكذلك في كتب الرحالة الاجانب ومن جملة ماثر الدولة السعدية في واحة تيوت نجد قصور السعديين وقصباتهم الاثرية زيادة على الرياضات الجميلة والفسيحة المفتوحة على جنان واحة تيوت ذات الطبيعة الخلابة والمعروفة بغنى زخاريفها ونقوشها على الجبص وغيره وهي شاهدة على ابداع محلي اصيل كما نجد كذلك ضريح سيدي عثمان التملي وهو استاذ وشيخ السلطان السعدي القوي احمد المنور الذهبي كما يوجد بها كذلك المسجد السعدي الذي بناه السلطان محمد الشيخ السعدي.

من نافلة القول ان هذه الواحة كانت عبارة عن مصطاف للاشراف السعديين وفيما بعد لامرائهم -الذين كانوا يتابعون دراستهم فيها قبل تولي مهام الحكم- ولافراد الاسرة السلطانية كما انها احتفظت بدورها الاستراتيجي في الحكم السعدي بحيت انها تعتبر مركزا الحكم والمشورة وكانت وراء اغلب القرارات الاستراتيجية التي اتخدها الحكم السعدي خلافا لما هو شائع والذي يعتبر مراكش بمثابة منبع قرارات السلطة السعدية كما يوجد بها قبر وضريح العالم والعلامة السوسي ابو العباس احمد بن عبد الرحمان الجشتيمي وهو علامة جليل واديب ومفكر هذه الخصال مجتمعة جعلت السلطان الحسن الاول ان يتخد منه اماما له بقصره بمراكش والذي اقام فيه لمدة ثماني سنوات هذا العلامة له العديد من المخطوطات المحفوظة في خزانات افراد الاسرة العلمية السوسية الجشتيمية..

الحسين بوالزيت

صحفي وباحث في التاريخ.

يتبع

اضف تعليق