قراءة في قانون الترحال الرعوي: تمخض الجمل فولد فأرا !

ظل إصدار نص قانوني ينظم الترحال الرعوي بالمغرب مطلبا لفعاليات المجتمع المدني لعدة سنوات، نظرا لافتقار الترسانة القانونية المغربية لنص مماثل ينظم العلاقات المرتبطة بالترحال الرعوي وتنظيم الرعي، خصوصا بعد استفحال التوترات بين الرعاة الرحل والسكان المحليين في مناطق عدة بالمملكة في الآونة الأخيرة، كما هو الحال بالنسبة الى جهة سوس ماسة، أمام تقاعس السلطات الإدارية والأمنية في تطبيق القانون وردع تجاوزات الرعاة الرحل خصوصا القادمين من الأقاليم الصحراوية وتحديدا من اقليم آسا الزاك، ومعظمهم متشبعون بالفكر الانفصالي وموالون لجبهة البوليساريو… بدعوى غياب نص قانوني ينظم الرعي، رغم أن الكثير من تصرفات الرعاة تقع تحت طائلة القانون الجنائي..

بعد طول انتظار وترقب، صدر القانون 113-13 المتعلق بالترحال الرعوي وتهيئة وتدبير المجالات الرعوية والمراعي الغابوية بتاريخ 27 ابريل 2016 لملء الفراغ القانوني في هذا المجال ولإغناء الخزانة القانونية المغربية… ورغم مرور أكثر من سنتين على صدور القانون، فإن تطبيقه ظل معلقا الى سنة 2019 بدعوى الانتهاء من إصدار النصوص التطبيقية المرافقة له من مراسيم وقرارات، وهكذا صدرت أربع مراسيم عن رئاسة الحكومة تتعلق بتحديد وتأليف عمل اللجنة الوطنية للمراعي واللجان الجهوية وشروط وأشكال وكيفيات منح تراخيص الترحال الرعوي وإحداث المجالات الرعوية والمراعي الغابوية وتطبيق بعض مقتضيات الباب السادس من القانون بشأن المخالفات والعقوبات.. كما صدرت خمس قرارات عن وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات تحدد النظام الداخلي للجنة الوطنية للمراعي والنظام الداخلي للجان الجهوية وتحديد نموذج طلب ترخيص الترحال الرعوي ونموذج البطاقة المهنية للأعوان المؤهلون لرصد المخالفات وكيفية تسليمها وتحديد نموذج سجل مرتكبي المخالفات وتدبيره…

يضم القانون 113-13 المتعلق بالترحال الرعوي وتهيئة وتدبير المجالات الرعوية والمراعي الغابوية 47 مادة موزعة على سبعة أبواب هي: 1) مقتضيات عامة،  2) إحداث المجالات الرعوية والمراعي الغابوية وتهيئتها وتدبيرها 3) أجهزة تدبير المراعي 4) التنظيمات المهنية الرعوية 5) شروط ممارسة الترحال الرعوي وتدابير تنظيم تنقل القطعان 5) المساطر والمخالفات والعقوبات بالإضافة الى مقتضيات انتقالية وختامية..

واستأثر الباب السادس باهتمام المتتبعين بحكم احتوائه على فصل متعلق بالمخالفات والعقوبات، المرتكبة داخل المجالات الرعوية المجهزة من طرف الدولة أي محميات الرعي… اما المخالفات كما حددتها المادة 40، فهي: 1) كسر أنصاب ومعالم وسياج مجال رعوي أو مرعى غابوي 2) إتلاف او إلحاق ضرر بالغطاء النباتي لمجال رعوي بواسطة الحرث أو القطع أو إشعال الحريق 3) إتلاف أو تعطيل كل بنية تحتية أو تجهيزات أو بنايات ضمن المجال الرعوي 4) عرقلة حرية تنقل القطيع لاسيما عن طريق وضع عراقيل تعيق تنقله.. وحدد المشرع غرامة على مرتكبي المخالفات المذكورة تتراوح ما بين 5000 درهم و20000 درهم دون الاخلال بالعقوبات المنصوص عليها في مجموعة القانون الجنائي… وهناك  مخالفات أخرى تطال مالك القطيع الذي يقوده خارج حدود التراب الوطني أو يدخل قطيعه الى مجال رعوي أو مرعى غابوي دون التوفر على ترخيص أو يبقي القطيع داخل مجال رعوي رغم انتهاء مدة الترخيص أو يدخل قطيع الى مجال رعوي يفوق العدد الاجمالي للحيوانات المحددة في الترخيص او يدخل القطيع الى المحميات الرعوية خرقا لمقتضيات المادة السابعة أو يترك قطيعه دون راع.. وتحدد المادة 42 مبلغ الغرامة المستحقة بالنسبة للمخالفات المذكورة في مبلغ 100 درهم لكل رأس من الأغنام والماعز ومبلغ 250 درهم لكل رأس من الأبقار والخيول والحمير ومبلغ 500 درهم لكل رأس من الإبل..

 ولوحظ أن القانون اقتصر على تحديد ضوابط تدبير المراعي المجهزة في حين غاب تجريم ممارسات الرعاة الرحل خارج المراعي المهيئة، وهكذا ظلت تصرفات الرحل خارج  المراعي المهيئة مثل: إلحاق الضرر بمغروسات السكان والاستيلاء على غلات الأشجار المثمرة وتخريب نقط الماء العامة أو الخاصة بعد استنزاف مخزونها من المياه بواسطة محركات الضخ ناهيك عن إتلاف الحرث والزرع والرعي داخل المجال الحضري وداخل التجمعات السكنية وسط الدواوير… بدون أية عقوبة مالية أو سالبة للحرية..

وحسب المهتمين، فإن القانون يضم نقط بياض كثيرة منها عدم تجريم ممارسات الرعاة خارج المراعي المهيئة علما أن المشاكل التي تحدث باستمرار بين الرحل والساكنة المحلية تنشئ خارج المجالات الرعوية وتحديدا في نقط التماس بين الرحل والتجمعات السكنية وبالتالي لم يأت القانون بأي جديد لإنهاء التوترات التي استفحلت مؤخرا…

لقد كان الهدف من إصدار القانون في حماية الساكنة من اضرار الرعي الجائر وتنظيم الرعي والترحال في جميع المجالات الرعوية سواء داخل المراعي المهيئة من طرف الدولة او المراعي الطبيعية المملوكة للأفراد والقبائل… لكن صيغة القانون الجديد لا تسمح بتحقيق الأهداف المسطرة في البدء.. وبالتالي يحتاج القانون 113-13 لتعديل عميق ومراجعة شاملة لتقنين العلاقة بين الرحل والسكان حول استغلال المراعي الطبيعية والموارد المائية المحدودة وهي أبرز نقط التوتر بين الطرفين..

ابراهيم اوزيــــــد

اضف تعليق